السيد حسين بن محمدرضا البروجردي

496

تفسير الصراط المستقيم

وإنّه قد تقرّر في العلوم الإلهيّة أنّ شدّة الإدراك وتأكّد الصّورة العلميّة في الوضوح والإنارة وقوّة الشّوق إلى المدرك ورسوخه يوجبان حضور المعلوم ، ولذا قيل : إنّ المشاهدة والرّؤية ثمرة اليقين ، فلمّا ذكر اللَّه سبحانه ووصفه بصفات كماليّة ونعوت جلاليّة وجماليّة وخصائص إلهيّة من كونه حقيقا بالحمد ، ربّا للعالمين ، موجدا للكلّ منعما عليهم بالنّعم كلَّها جليلها ودقيقها دنيويّها وأخرويّها ظاهرها وباطنها ، مالكا لأمورهم يوم الجزاء واللَّقاء تميّز بها ذاته عن سائر الذّوات ، وتنوّر القلب بأنوار معرفة هذه الصّفات ، وانفتحت عين البصيرة بتلاوة هذه الآيات فينتقل من الغياب إلى الخطاب قائلا يا من هو بالحمد حقيق ، وبهذه الصّفات الكماليّة يليق ، نخصّك بالعبادة والاستكانة ، ونطلب منك السّداد والإعانة . وأنّ العباد أراد بذلك أن ينخرط في سلك أرباب الشّهود والحضور ، ويجبر ما في عبادته من القصور والفتور ، نظرا إلى أنّ من تشبه بقوم كاد أن يكون منهم ، وأنّه لا حجاب بين المملوك والمالك إلَّا حجاب ملك نفس المملوك ، فإذا عبر عن حجاب ملك النّفس وصل إلى مشاهدة مالك النفس . كما ورد في تفسير قوله تعالى : * ( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) * « 1 » عن مولينا جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام : إنّ التّوبة هي قتل النّفس ، وناجى بعض الأنبياء ربّه كيف الوصول إليك ؟ فخوطب دع نفسك . وللنّفس صفات أربع كلَّها حجب لها ظلمانيّة ونورانيّة ، وهي كونها * ( أمّارة إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) * « 2 » لوّامة * ( ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) * « 3 » وملهمة

--> ( 1 ) سورة البقرة : 54 . ( 2 ) سورة يوسف : 53 . ( 3 ) القيامة : 2 .